عرض لكتاب : معضلة الاختيار (the paradox of choice)

 

سافر باري شوارتز(مؤلف الكتاب) مع زوجته من بريطانيا إلى فرنسا في يوم كان الطقس فيه جميلاً، عندما وصلا إلى باريس ذهبا إلى مطعم، شاهدا قائمة الأكلات و التي كانت جيدة، لكن قالا: إنها باريس! من الخطأ أن نذهب إلى أول مطعم نصادفه، و أخذا يتنقلان من مطعم إلى آخر و يقارنا قوائم الأكلات الواحدة تلو الأخرى، و بعد مُضي ساعة، فقدا شهيتهما للأكل و تناولا أكلة عادية من مطعم عادي.
لماذا فقدا الرغبة بالأكل مع أنهما في بلد يُشتهر بجودة المطاعم؟ أجاب عنه المؤلف في كتابه معضلة الاختيار

الذي سأعرضه هنا.

في مقدمة الكتاب ذكر المؤلف أن توفر الخيارات بالعموم يحسن من نوعية الحياة. إذا كان لدينا مدينة فيها عدة مطاعم، كل مطعم يقدم قائمة أكلات مختلفة عن المطاعم الأخرى، تكون الحياة في المدينة أفضل مما لو كانت كل المطاعم تقدم نفس قائمة الأكلات.

لكن  يرى باري شوارتز  أنه إذا كثرت الخيارات بشكل كبير، يكون لها تأثير سلبي، قد لا يقل عن توفر خيارات قليلة، و هذا الذي جعله يكتب على غلاف الكتاب، الكثرة تعني القلة!
يعزز المؤلف رؤيته من خلال الدراسات النفسية و التي منها دراسة أجريت على عينة من النساء عن كيفية استمتاعهن بالتسوق، كانت إجابات النساء أنهم يقضين وقتاً أطول في التسوق مما كان في السابق (نظراً لكثرة الخيارات) لكن المتعة أقل.
طبيعة الإنسان أي إنسان أنه يكره الخسارة و يحب أن يحصل على الأفضل و كثرة الخيارات تقلل من فرص الحصول على الأفضل.

يؤكد ذلك تجربة تمت على عينة من المتسوقين قدم لهم ٦ أنواع من المربى، و طلب منهم اختيار نوع واحد من أجل الحصول على كمية مخفضة. و عينة أخرى قدم لها ٢٤ نوعا من المربى، كانت النتيجة أن من تحمس للشراء في المجموعة الأولى أكثر من المجموعة الثانية، التفسير كما يراه علماء النفس أن احتمالية الحصول على أفضل مربى في المجموعة الأولى ١/٦، لكن في المجموعة الثانية ١/٢٤، يفضل معظم عينة المجموعة الثانية التريث حتى يختار أفضل نوع من المربى.

ظاهرة تأخر سن الزواج في الدول الغربية يمكن فهمها من خلال التجربة السابقة ، يقول الواحد  لنفسه مهما كان الشخص الذي أمامي مناسباً للزواج، لماذا أستعجل؟! مازالت الخيارات متوفرة بين يدي، لماذا أتزوج الآن، ثم اكتشف فيما بعد شخصاً أفضل ممن ارتبطت به؟

يرى المؤلف أن كثرة الخيارات بشكل كبير لها ضريبة و هي تقليل استمتاعك بما لديك، سير الحياة عندما يكون أبطء و الخيارات أقل، تجعل جهد الناس ينصرف إلى الاستمتاع بما لديهم حتى و لو كان قليلا، لكن توفر خيارات كثيرة( علاقات عاطفية ـ فرص عمل ـ اجازة ) يجعل الواحد في تطلع دائم لما ليس لديه، فلا يجد الوقت الكافي للاستمتاع بما تعب في الحصول عليه!

في إحدى الدراسات، سئلت عينة  لو أن الواحد منهم أصيب بمرض السرطان، هل يُفضل أن يختار بنفسه نوعية العلاج الذي يتلقاه؟ أجابت ٦٥٪ بنعم، لكن لما سئلت عينة مصابة  فعلاً بالسرطان، هل يفضل الواحد منهم أن يختار نوعية علاجه بنفسه؟ أجاب ١٢٪ بنعم و البقية فضلت أن يتولى الطبيب ذلك.
السبب أنه إذا قمت أنا باختيار نوع العلاج لي، سوف تكون مهمة الاختيار شاقة علي و احتمالية لوم الذات أكبر، بالمثل توفر الخيارات بشكل رهيب يجعل الواحد دائما يفكر في هذا الخيار أو ذاك، مما يقلل من متعة ما بين يدي الواحد من خيارات و يلوم  نفسه لم فوت خيارات كثيرة.

 

يرى المؤلف أن معرفة الناس بتقييم الخيارات أقل مما يتوقعون، و يستدل على ذلك أنك لو قدمت لمعظم الناس خيارين:
أ) إجازة جميلة جداً لمدة أسبوع.
ب) نفس الاجازة السابقة مع أسبوع لاحق، لكن إجازة عادية.

لكانت إجابات معظم الناس الخيار الثاني مع أن الخيار الأول أفضل، و فقاً لما توصل إليه دانييل كاهنيمان (الحاصل على جائزة نوبل في علم النفس) أن تقييم أي تجربة سابقة(علاقة جنسية ـ قضاء إجازة ـ  مشاهدة فيلم)

يعتمد على أمرين:
١) أقصى حد وصلت إليه اللذة.
٢) كيف انتهت التجربة.
فيكون خيار (أ) أفضل من الخيار (ب) لأنه نهايته أحسن مع أن مدته أقل.

يعضد هذه الفكرة أن عينة تعرضت لتجربة سماع أصوات مزعجة جداً لمدة ٨ ثواني،  ثم تعرضت لنفس المدة و الألم، لكن أضيف لها ٣ ثواني من الألم الأقل بكثير.
كان الشعور نحو التجربة في المرة الثانية أفضل ، مع أنها كانت أكثر ألماً، لكن لأنها انتهت نهاية أفضل من الأولى، فضلها معظم المختبرين.
يقول المؤلف: تأمل مع طوفان الخيارات التي أمامك و ضعف مستواك في تقييمها، أي معضلة وقعت فيها؟!!

من خلال دراسات عديدة في مجال التسويق يتبين أن وضع السعر السابق للسلعة بجانب السعر الحالي، يجذب زبائن أكثر، و هذا يعود إلى أن المقارنة أكثر وسيلة تُستخدم للتقييم.
مع توفر الخيارات، تتعدد المقارنات، إجازتي السنوية علي سبيل المثال سوف أقارنها بإجازات زملائي بالعمل و أقاربي و من أتابعهم في مواقع التواصل الاجتماعي، مهما كان الخيار الذي حصلت عليه، سوف تجد  من يمتلك خياراً أفضل منك، مما يقلل من متعة خيارك.
الخيار الذي تحصل عليه، له قيمة ذاتية و قيمة شخصية، قيمته الذاتية نوعية الخيار نفسه، و قيمته الشخصية نوعية الخيار مقارنة بما حصل عليه نظراؤك.
لو أنك كنت تجلس في غرفة الانتظار بأحد المستشفيات، و تقدم أحدهم و أعطاك ورقة من فئة ١٠٠ ريالاً سوف تسعد بلاشك، لكن لو أعطى أيضاً شخص بجانبك ورقة من فئة ٥٠٠ ريال، سوف تحزن، مع أنك حصلت على ١٠٠ ريال من دون تعب و لم تكن تحلم بها.
لكن لأنك تقارنها بما حصل عليه غيرك.
المتعة التي نحصل عليها من خلال الخيارات التي نفضلها، يحكمها نظرتنا لكيفية استمتاع غيرنا بخيراتهم. نحن كائنات اجتماعية في المقام الأول، و تقييم شيء ما هو بالنسبة لما حصل عليه غيرنا.
مهما كانت جودة الخيار الذي حصلت عليه، سوف توجد خيارات تكون أفضل منه في بعض الجوانب، لا يوجد خيار هو الأفضل من كل وجه.
كلما كثرت الخيارات التي تقارنها بخيارك، كلما قلت متعتك، لأن كل خيار يفضل خيارك في جزئية، هذا ما جعل المؤلف يفقد شهيته مع أنه جائع و ذهب إلى باريس المشهورة بمطاعمها، لأن كل مطعم يصادفه، يجد فيه عيباً مقارنة بمطعم آخر، و هكذا حتى غدت كل المطاعم عادية.
تلعب الإعلانات دوراً سلبياً في دفع الناس نحو طلب المزيد، الرسالة المبطنة للتسويق هي لكي تكون الأفضل عليك أن تحصل على أفضل خيار، و هذا بالطبع غير صحيح.
لدى علماء الاقتصاد مصطلح: (قيمة الفرصة)، يعنون به أن أي خيار يقيم من خلال الاستغناء عن الخيارات الأخرى.
مثلاً في إحدى الليالي، إذا لم يكن لديك أي شيء لتعمله، و اتصل عليك صديق ليدعوك لعشاء في المطعم، في الأغلب أنك سوف تذهب، لأن قيمة ذاهب للعشاء قليلة، لست بحاجة لأن تستغني عن شيء.
لكن لو صادف أنه في تلك الليلة، يوجد مباراة لفريقك المفضل؟ هنا ستكون قيمة العشاء مع صديق عالية، لأنك سوف تستغني عن مشاهدة مباراة فريقك المفضل.
حيث أننا نعيش في عالم تتوفر فيه الخيارات بشكل رهيب،  كلفة أي خيار نتخذه سوف يكون عالياً، لأننا سوف نضطر لأن نتخلى عن خيارات كثيرة، نظراً لمحدودية قدراتنا، لا يمكن التوفيق بين خيارات كثيرة.

(قيمة الفرصة) وسيلة عقلانية لتقييم الخيارات، من أجل تقليل الوقع النفسي ، نظراً للاستغناء عن الخيارات الثانية، ينصح المؤلف:
١) تقليل الخيارات قدر الإمكان، حتى تقل قيمة الخيار الذي نختاره.
٢) عند المقارنة، نقارن جوهر كل خيار بجوهر الخيار الثاني، مثلا في مثال المقارنة بين العشاء مع صديق أو مشاهدة مباراة، لا ينصح المؤلف مقارنة راحة الجلوس في البيت عند مشاهدة  المباراة بمشقة زحمة الطريق مع خيار العشاء مع صديق، لأن هذا سوف يعقد من نوعية المقارنة و مع توفر خيارات أكثر تصحب العملية شاقة و ترفع من قيمة الخيار، لأنك تكون قد قارنت مختلف جوانبه مع مختلف جوانب الخيارات الثانية، بل قد تجد نفسك تضيف خيارات أخرى لم تكن تفكر بها، لأنها تملك جوانباً أفضل من قائمتة خياراتك الأولى.

 

في إحدى التجارب، عرض على عينة لوحات و طلب منهم اختيار لوحة معينة و الذهاب بها للبيت، و عينة أخرى طلب منهم نفس الطلب، لكن مع إضافة، أنه يمكن تبديل اللوحة فيما بعد إذا لم تعجبهم.
وُجد فيما بعد أن المجموعة الثانية بالعموم أقل رضا من المجموعة الأولى، مع أن لديهم خيارات أفضل.
يرى علماء النفس الذين أجروا التجربة أنه إذا استمر الواحد في طلب المزيد من الخيارات، لن يتوقف و سيظل يطلب خياراً بعد خيار.
قلة الخيارات تثمر الرضا.

يعلل الؤلف أن كثرة حالات الطلاق في أمريكا بالوقت الحاضر مقارنة  بما كان عليه الوضع قبل ٥٠ سنة ، أن معظم المتزوجين في الماضي كانوا يرون الزواج ارتباطاً مقدساً، فيقنع الواحد منهم أن الطلاق حالة استثنائية(نفس المجموعة الأولى).
لكن مع تغير النظرة للزواج بعتباره الآن في نظر معظم الأزواج،مجرد عقد، متى ما شعر طرف أن هذا العقد غير مناسب له، يفسخ العقد، فيكون الواحد غير راضي بخياره و يبحث عن أي فرصه يتخلص بها من عقده(المجموعة الثانية)

السعادة ترتبط بالرضا، الرضا عن وضعك المادي و الاجتماعي و الوظيفي، لا يأتي الرضا مع كثرة التذمر من واقعك الحالي والتطلع لما لدى الغير.

لدى الإنسان قدرة فائقة مع التكيف مع أي وضع جديد له، تبين من خلال دراسات أجريت على أشخاص حصلت لهم أحداث سارة (الحصول على جائزة يانصيب ، جائزة نوبل) أنه بعد مضي سنوات على الحدث، رجعت حالتهم النفسية لما كانوا فيه من قبل أن يحصل لهم الحدث السار، نفس الشيء يحدث مع أشخاص وقعت لهم أحداث سيئة(وفاة قريب ـ خسارة وظيفة) أنه بعد مضي سنوات، يتكيف الواحد منهم الحدث و ترجع حالته النفسية السابقة.
يريد أن يصل المؤلف إلى فكرة مهما كانت نوعية الخيار الذي أمامك، بعد سنوات لن تختلف حالتك النفسية فيما حصل لك الخيار الذي كنت تفكر فيه أو لا، طبعاً هذا من جهة الحالة النفسية، أما الحالة المادية(بالمفهوم العام للمادة) سوف تختلف الحالة.
يذكر المؤلف أن نصائحه و أفكاره التي بثها في الكتاب، من السهل إعطائها، لكن من الصعب العمل بها.

هذه أهم الأفكار المذكورة في الكتاب.

6 أفكار على ”عرض لكتاب : معضلة الاختيار (the paradox of choice)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.